المشهد اليمني
مقالات

تحديات ما بعد الحسم

المشهد اليمني
بافتراض أن الأمور في عدن العاصمة المؤقتة لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، والعاصمة التاريخية للجنوب، قد حُسِمَت لصالح المشروع الجنوبي، باتجاه إمساك القوات الجنوبية (الحزام الأمني وقوات المقاومة الجنوبية إلى جانب أمن عدن بطبيعة الحال) بالملف الأمني وإمساك المجلس الانتقالي بالملف السياسي، فإن التحديات ما بعد هذا الحسم تبدو أكبر وأعقد وأشد من تلك التي ما قبل الحسم، بسبب تعقيد المهمات وتنوع الملفات المطروحة على الطاولة وارتفاع سقف الرهانات التي يضعها المواطنون على السياسيين الجدد، وضخامة المسؤوليات الواقعة عليهم.
 
وعموماً فإنه من المهم الإشارة إلى أهمية الخطوة التي اتخذها الأخ اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بإصداره توجيه بالعفو عن كل المجاميع التي اشتركت في المواجهة، وضمان سلامة الجميع ورفض التعرض لأي مواطن بغض النظر عن موقفه السياسي أو حتى العسكري من تلك المواجهات المؤسفة، وهو موقف يحسب للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويميز اللحظة الراهنة عن كل مراحل الصراعات والنزاعات والحروب التي عرفتها الساحة في فترات سابقة متفرقة من تاريخ الجنوب.
 
ومع يقيني أن كل الممسكين بزمام الأمور في المجلس الانتقالي، وفي الحزام الأمني يؤمنون بأهمية هذا الموقف كمبدأ لا يقبل الحياد أو المواربة، فإنه ينبغي التنبيه أن هناك جماعات منفلتة قد تتصرف تصرفات تخالف هذا التوجه العام، وهو ما ينبغي التصدي له بحزم وصرامة.
 
كما لا يمكن أستبعاد حصول حالات من النهب والسطو والاقتحام من قبل نفس الجماعات، ولا يمكن استبعاد أن تكون هذه المجاميع لا علاقة لها بالمجلس الانتقالي ولا بالأجهزة الأمنية في عدن، وقد تكون هناك مجاميع مكلفة ممن يرغبون في الإساءة إلى الوضع الجديد.
 
لقد مرت عدن ومعها كل الجنوب بأيام ثلاث صعبة، انعكست صعوبتها على المقيمين في عدن ومن هم خارج الوطن، ومع كل الأسف لكل قطرة دم سالت، فإننا نحمد الله أن الأمور لم تأخذ أبعادا أكثر ولم تستغرق زمناً أطول كما كان البعض يتمنى، ولذلك فإن نهج العفو والتسامح ينبغي أن يتجسد بشكل جلي وواضح، وينبغي التصدي بحسم لكل ما من شأنه إعادة الشحناء والبغضاء والكراهية بين إخوة الهدف الواحد وأبناء الوطن الواحد وأصحاب القضية الواحدة.
 
إنني أدعو جميع المحسوبين على هذا الطرف أو ذاك ما قبل 10 أغسطس، أن يقفلوا صفحات الماضي وأن يتجهوا إلى المستقبل، فالمستقبل سيكون أغنى وأكثر إشراقا وأوسع رحابةً، . . . المستقبل فيه متسع للجميع وأتصور أنه لو آمن كل فرد بهذه الحقيقة لما احتاج لاستدعاء الكراهية، واستحضر بدلاً من ذلك دوافع الحب والثقة والتسامح والتعايش بين أبناء الأرض الواحدة وأصحاب المستقبل الواحد وتجنيب أهلنا وشعبنا ووطننا تلك التوترات واللحظات العصيبة التي مررنا بها في الماضي.
 
ينبغي نبذ ثقافة الانتقام أو محاولات التركيع، أو ادعاء الأفضلية، أو نزعات الاستحواذ والطمع والسلب والنهب التي هي غريبة عن مجتمعنا، وجاءت دخيلة بعد تعرض قيمنا وتقاليدنا للكثير من الاهتزازات بسبب ما جرى للجنوب منذ 1994م.
 
وأختتم بالملاحظة التالية: لقد قرأت خلال الأسبوع الفائت عشرات المنشورات والمقالات وشاهدتُ واستمعت إلى مئات التصريحات التي تحاول ترويج الصراعات المناطقية في عدن، وهي في معظمها تعكس تمنيات أصحابها، ومحاولاتهم إذكاء رماد نيران كان قد أطفأها مبدأ التصالح والتسامح الذي رفعه الجميع منذ العام 2007م، ومن أجل إخراس تلك التمنيات وتخييب آمال أصحابها ينبغي الترفع عن كل أسباب النزاع والانتقال من ثقافة الكراهية والشحناء إلى ساحات التنافس على العطاء والتفوق في الأداء والتنازل عن الصغائر للتفرغ للتحديات الكبيرة.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
المشهد اليمني